الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

33

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

لتلك الخصوصيات فعدم استعمالها في المعنى العام على إطلاقه إنما هو لعدم إمكان إرادته كذلك لا لإرادة ( لا لعدم ) تعلق الوضع به كما زعموه فكون المستعمل فيه إنّما هو الطبيعة المقترنة بشرط شيء لا ينافي وضعها للطبيعة لا بشرط إذا كان استعمالها فيها مستلزما لحصول الخصوصية واستعمالها في تلك المفاهيم على جهة استقلالها في الملاحظة ليس استعمالها فيما وضعت له لما عرفت من عدم تعلق الوضع بها من تلك الجهة فلا وجه لالتزام القائل بعموم الموضوع له لجواز استعمالها كذلك وكذا الحال في الأفعال بالنسبة إلى معانيها النسبية فإنها في الحقيقة معاني حرفية لا يمكن حصولها إلا بذكر متعلقاتها حسبما ذكرنا في الحروف وأنت خبير بعد التأمل فيما قررناه لتعرف ضعفه ما ذكر في هذه الحجة وسائر حججهم الآتية كما تشير إليه إن شاء الله وقد ظهر بما بيناه وهن ما ذكره المحقق الشريف في شرح المفتاح عند بيان القول المذكور من أن الموضوع له عندهم هو الأمر الكلي بشرط استعماله في جزئياته المعينة وقال في حاشية له هناك أن لفظة أنا مثلا موضوعة على هذا الرأي لأمر كلي هو المتكلم المفرد لكنه اشترط في وضعها ألا يستعمل إلا في جزئياته ثم حكم بركاكة القول المذكور واستصوب قول الآخر إذ ليس في كلامهم الذاهبين إلى القول المذكور إشارة إلى ذلك عدا شذوذ من المتأخرين كالتفتازاني في ظاهر كلامه كما أشرنا إليه وكأنه ألجأه إليه ما يتراءى من توقف تصحيح الكلام القائل به على ذلك نظرا إلى ما ذكرناه في هذه الحجة وغيرها كما يظهر من التفتازاني في التزامه به وقد عرفت ما قرّرناه في بيان القول المذكور إلا أنه لا حاجة إلى اعتبار المذكور أصلا ولا التزام التجوز في استعمالاتها المتداولة كما ادعاه جماعة من الأجلة ثم إنه لا ريب أن القول المذكور على ما قررناه في كمال الوهن والركاكة وفي اعتبار الشرط المذكور في أوضاع تلك الألفاظ من السّماجة ما لا يخفى بل مرجع ذلك بمقتضى ما ذكروه من كون الاستعمال في الجزئيات بخصوصها لا من حيث انطباق الكلي عليها إلى كون تلك الألفاظ بمقتضى الاشتراط المذكور متعينة في الحقيقة بإزاء تلك الجزئيات فيكون مرجعه إلى أقبح الوجوه إلى القول الآخر نعم لو قيل بأن استعمالها في الجزئيات لا من حيث الخصوصيته بل من حيث انطباق الكليات التي وضعت بإزائها عليها فجعل ثمرة الاشتراط المذكور عدم جواز استعمالها في تلك الكليات على الوجه الأخير نظرا إلى كون الوضع توقيفيا فلا يجوز التعدّي فيه عما اعتبره الواضع أمكن أن يوجه به القول المذكور إلا أن فيه خروجا عن الطريقة المعروفة في الأوضاع إلا أن فيه تفكيكا بين الوضع ولازمه كما ادعى في الاحتجاج المذكور ثانيها أنها لو كانت موضوعة للمعاني الكليّة لما كانت الألفاظ المذكورة مجازات لا حقائق لها نظرا إلى عدم استعمالها في المعاني الكليّة أصلا وهو مع ما فيه من البعد لا وجه للالتزام به من دون قيام دليل ظاهر عليه إذ لا داعي إليه لحمل الاستعمالات المعروفة على المجاز والقول بوضع تلك الألفاظ المتداولة لمعنى لم تستعمل فيه أصلا كيف ومن المقرر كون الأصل في الاستعمالات الحقيقية حتى تبين المخرج مضافا إلى أنه لو كان الحال فيها على ما ذكر لما احتاجوا في التمثيل للمجازات التي لا حقائق لها إلى التمسك بالأمثلة النادرة كلفظ الرحمن والأفعال المنسلخة عن الزّمان مع ما فيها من المناقشة وكان التمثيل بالألفاظ المذكورة هو المتعين في المقام ففي العدول عن ذكرها إلى التمثيل بتلك الأمثلة الخفية دلالة ظاهرة على فساد القول المذكور والجواب عنه ظاهر مما بينا ولا داعي إلى الالتزام التجوز في تلك الألفاظ بالنظر إلى إطلاقها على تلك المعاني الخاصة إذ ليس ذلك إلا من قبيل إطلاق الكلي على الفرد ومن البين أنه إنما يكون على وجه الحقيقة إذ لم يؤخذ في المفهوم المراد من اللفظ ما يزيد على معناه الموضوع له كما هو الحال في المقام إذ ليس المراد من لفظ هذا مثلا في سائر الموارد إلا أمرا واحدا وإن انطبق ذلك على أمور مختلفة وقد عرفت أن إطلاقها على خصوص الأفراد من اللوازم الظاهرة لاستعمالها في معناه الموضوع له حيث إنه لا يمكن إرادتها من اللفظ إلا في ضمن الفرد فليست تلك الخصوصيات مرادة من اللفظ منضمة إلى معناه الموضوع له في الاستعمال بل إنما يكون إرادة تلك الخصوصيات باستعمال تلك الألفاظ فيما وضعت له فما عزاه المحقق الشيرواني رحمه الله إلى القائلين بعموم الموضوع له بتلك الألفاظ من التزام التجوز في استعمالاتها الشائعة مبني على توهم لزوم ذلك للقول المذكور على نصهم عليه وقد عرفت أنه توهم فاسد لا وجه لالتزامهم به فكيف ولو قالوا بذلك لكانت المجازات التي لا حقيقة لها أمرا شائعا عندهم لا وجه لاختلافهم فيها ولا لتمسكهم لها بتلك الأمثلة النادرة حسبما ذكر ففي ذلك دلالة ظاهرة على كون الاستعمالات الشائعة واقعة عندهم على وجه الحقيقة مع ذهابهم إلى كون الموضوع له هناك هو المفاهيم المطلقة دون كل من تلك الأمور الخاصة ثالثها أن المتبادر من تلك الألفاظ عند الإطلاق إنما هو المعاني الخاصة دون المفاهيم الكليّة وهو دليل على كونها موضوعة لذلك دون ما ذكر من المعاني المطلقة نظرا إلى قيام أمارة الحقيقة بالنسبة إلى الأولى وأمارة المجاز إلى الثانية والجواب عنه ظاهر مما مر لمنع استناد التبادر المذكور إلى نفس اللفظ إذ مع عدم انفكاك إرادة المعاني المذكورة من تلك الألفاظ عن ذلك والدلالة على إرادة تلك الجزئيات بمجرّد الدلالة عليها من غير توقف على أمور أخر غيرها لا يبقى ظهور في استناد التّبادر المدعى إلى نفس اللفظ لينهض دليلا على الوضع ومما ذكرنا يظهر الحال فيما ذكر من عدم تبادر المعاني المطلقة رابعها أنها لو كانت موضوعة للمعاني الكلية لكانت تلك المعاني هي المفهومة منها أولا عند الإطلاق وكانت المعاني الجزئية مفهومه بواسطة الانتقال إلى تلك المعاني بعد قيام القرينة الصارفة من إرادتها كما هو الشأن في المجاز إذ ليس الحال كذلك قطعا إذ المفهوم من لفظ هذا مثلا هو الشخص المشار إليه من غير حضور لمفهوم المشار إليه أصلا وجوابه معلوم بعد القول بعدم التجوز في شيء من تلك الاستعمالات وأن إرادة تلك الخصوصيات غير ممكنة الانفكاك عن إرادة الموضوع له حتى يتوقف فهمها على وجود القرينة فهي إنما تكون مفهومة بإرادة الموضوع ودعوى عدم حصول واسطة في فهم الخصوصية من اللّفظ بالمرّة